أحمد مصطفى المراغي

38

تفسير المراغي

وخبرين : إنا رادوه إليك وجاعلوه . وبشارتين في ضمن الخبرين : وهما الرد والجعل من المرسلين ، حكى عن الأصمعي قال : سمعت أعرابية تنشد : أستغفر اللّه لذنبي كله * قبّلت إنسانا بغير حله مثل الغزال ناعما في دلّه * فانتصف الليل ولم أصله فقلت : قاتلك اللّه ما أفصحك ! قالت أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ) الآية ؟ فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . ثم ذكر صدق وعده ومقدمات نجاته فقال : ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ) أي فأخذه أهل فرعون أخذ اللقطة التي يعنى بها وتصان عن الضياع صبيحة الليل الذي ألقى فيه التابوت . روى أن الموج أقبل به يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين الأشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري امرأته إلى الشط فوجدن التابوت فأدخلنه إليها وظنن أن فيه مالا ، فلما فتحنه وجدن فيه غلاما فوقعت عليها رحمته فأحبته . ولما أخبرت فرعون به أراد أن يذبحه إذ قال إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هلاكنا على يديه ، فلم تزل تكلمه حتى تركه لها . ثم ذكر سبحانه أن العاقبة كانت ضد ما قصدت فقال : ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) أي لتكون عاقبة أمره كذلك إذ أراد اللّه هذا ، وهذا كما تقول لآخر تؤنبه على فعل كان قد فعله وهو يظن نفسه محسنا فيه وأدى الأمر إلى مساءة وضرّ قد لحقه : فعلت هذا لضر نفسك ، وهو قد كان حين الفعل راجيا نفعه غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو ، وهذا جار على سنن العرب في كلامهم ، فيذكرون الحال بالمآل ، قال شاعرهم : وللمنايا تربّى كل مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال آخر : فللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن